في ظل تصاعد التوترات التجارية بين كندا والولايات المتحدة، أصبح المستهلكون الكنديون أكثر وعيًا بمصدر المنتجات التي يشترونها، مما دفع العديد من الشركات المحلية إلى تعديل عبواتها لإبراز طابعها الكندي بشكل أوضح وجذب اهتمام المتسوقين.
في ظل تصاعد التوترات التجارية بين كندا والولايات المتحدة، أصبح المستهلكون الكنديون أكثر وعيًا بمصدر المنتجات التي يشترونها، مما دفع العديد من الشركات المحلية إلى تعديل عبواتها لإبراز طابعها الكندي بشكل أوضح وجذب اهتمام المتسوقين.
شركة كروسبي للأغذية .. تاريخ كندي عريق يسعى للتميز في السوق
تُعد شركة كروسبي للأغذية مثالًا واضحًا لهذا التوجه. تأسست هذه الشركة عام 1879 في مقاطعة نيو برونزويك على يد الجد الأكبر للرئيس الحالي، جيمس كروسبي، وهي متخصصة في إنتاج دبس السكر ومنتجات أخرى، وتشغل ما يقرب من 100 موظف. على الرغم من أن الشركة تقوم بعملية تعبئة ومعالجة الدبس داخل كندا، إلا أنها لا تستطيع قانونيًا استخدام عبارات مثل “صنع في كندا” أو “منتج كندي” على ملصقاتها، لأن المادة الخام – قصب السكر – لا يُزرع محليًا.
يقول جيمس كروسبي: “ليس لدينا خيار في هذا الأمر، فدبس السكر الفاخر الذي نستورده هو نتاج مباشر لقصب السكر، الذي لا يمكن زراعته في كندا.” وللتغلب على هذه العقبة، قررت الشركة تغيير تصميم عبواتها بحيث يصبح شعار “كندي بفخر”، الذي كان سابقًا على ظهر العبوة، أكثر بروزًا وينتقل إلى الواجهة. ومع أن تنفيذ هذا التعديل سيستغرق عدة أشهر بسبب مخزون مواد التعبئة الحالي، إلا أن كروسبي مقتنع بأن هذا الاستثمار سيكون مجديًا، خاصة في ظل ازدياد النزعة الوطنية لدى المستهلكين الكنديين.
ويضيف كروسبي: “لا أعتقد أن الكنديين سيسامحون دونالد ترامب بهذه السهولة. فقد نجح بالفعل في تحفيز مشاعر الانتماء الوطني لديهم.”
تغير في عادات المستهلكين يدفع الشركات إلى اتخاذ إجراءات سريعة
يلاحظ تجار التجزئة انخفاضًا في مبيعات المنتجات الأمريكية في الأسواق الكندية، يقابله ارتفاع في الطلب على المنتجات المحلية. ويصف بيتر تشابمان، مؤسس شركة الاستشارات SKUFood والمدير التنفيذي السابق لشركة Loblaw، هذا التحول بأنه “الأكثر دراماتيكية وسرعة في سلوك المستهلكين” الذي شهده خلال مسيرته المهنية.
هذا التوجه جعل الشركات المصنعة ومتاجر البقالة تتفاعل بسرعة غير مسبوقة. فبينما يستغرق تعديل الملصقات أو تغيير الموردين عدة أشهر عادةً، فإن قيام الشركات بإجراء هذه التغييرات بهذه السرعة يؤكد أنها ترى في هذا الاتجاه نمطًا مستدامًا وليس مجرد رد فعل عابر.
إجراءات حكومية وتشديد الرقابة على ملصقات المنشأ
مع ازدياد اهتمام المستهلكين بمعرفة مصدر المنتجات التي يشترونها، أصبحت وكالة تفتيش الأغذية الكندية تتلقى شكاوى متزايدة بشأن الادعاءات المتعلقة بمنشأ الأغذية على الملصقات أو في الإعلانات التجارية. وفقًا للوائح الكندية، يمكن تصنيف المنتج على أنه “منتج كندي” فقط إذا كانت جميع مكوناته الرئيسية وعمليات تصنيعه تتم في كندا، باستثناء بعض الإضافات الثانوية مثل التوابل وسكر القصب والفيتامينات. أما عبارة “صنع في كندا”، فيمكن استخدامها إذا جرى “تحويل جوهري” للمنتج داخل البلاد، مع ضرورة توضيح ما إذا كان مصنوعًا من مكونات مستوردة أو خليط من المكونات المحلية والمستوردة.
بناءً على ذلك، بدأت العديد من الشركات في تعديل ملصقاتها لتتوافق مع هذه المتطلبات الجديدة. على سبيل المثال، أضافت شركة “نيتشرز باث” علامات بارزة على منتجاتها المنتجة في كندا، بينما وسعت شركة “كروجر برودكتس”، التي تتخذ من مونتريال مقرًا لها، نطاق عبارة “صُنع في كندا” على بعض منتجاتها مثل كاشمير وبيوريكس وسكوتيز.
وتقول سوزان إيرفينغ، مديرة التسويق في كروجر: “لا أعتقد أن هذا التوجه مجرد ظاهرة مؤقتة. إنه في ازدياد، وبالنظر إلى مشاعر المستهلكين الحالية، يبدو أنه سيظل مهمًا على المدى الطويل.”
أساليب تسويقية جديدة لإبراز الهوية الكندية
لم يقتصر التوجه الجديد على تعديل الملصقات فحسب، بل استخدمت بعض الشركات عبارات تسويقية جديدة لإبراز جذورها الكندية بشكل أوضح. على سبيل المثال، بدأت شركة “مابل ليف فودز” في وضع شعار “كندي بفخر” على بعض منتجاتها من الدواجن، كما أضافت تفاصيل أدق حول مصدر المنتجات، مثل استبدال عبارة “مُربى في مزارع كندية” بـ”مُربى في مزارع غرب كندا”.
ويشير تشابمان إلى أن أكثر ما فاجأه هو السرعة التي أطلقت بها الشركات حملات تسويق وطنية، مثل مبادرة “ابحث عن الورقة”، التي أطلقتها مابل ليف بالتعاون مع علامات تجارية كندية أخرى، من بينها دير فودز، وجاي ليا، وتشابمانز، ونيل براذرز، وسمر فريش. ويقول إن الطبيعة التعاونية لهذه المبادرة تمثل تطورًا لم يكن ليحدث قبل بضعة أشهر فقط.
دور تجار التجزئة في توجيه المستهلكين نحو المنتجات الكندية
بالتوازي مع جهود الشركات، سارع تجار التجزئة إلى اتخاذ إجراءات لتسهيل تعرف المتسوقين على المنتجات الكندية، مثل وضع لافتات بارزة في المتاجر. ومع ذلك، يدرك المصنعون أن عليهم بذل مزيد من الجهد لضمان إدراج منتجاتهم ضمن قوائم المنتجات الكندية. لذلك، قامت شركة كروسبي بتكليف وسطاء مبيعات بفحص متاجر التجزئة والتأكد من أن منتجاتها تحمل العلامات المناسبة.
يقول تشابمان: “يتعلق الأمر بالنظر إلى الرفوف، ولكنه يتعلق أيضًا بمراقبة المتاجر الإلكترونية والتأكد من أن المعلومات المعروضة عبر الإنترنت دقيقة.”
التحديات التي تواجه الشركات الكندية في إبراز هويتها
رغم هذه الجهود، يواجه المستهلكون أحيانًا ارتباكًا عند محاولة دعم المنتجات الكندية، كما هو الحال مع شركة كروسبي. فمع أن الشركة كندية بالكامل وتعمل في البلاد منذ أكثر من 140 عامًا، إلا أنها لا تستطيع استخدام عبارة “منتج كندي” بسبب مصدر المادة الخام. وعلى العكس، نجد أن شركات أمريكية مثل “كرافت هاينز”، التي يقع مقرها في شيكاغو، تنتج العديد من منتجاتها الشهيرة، مثل زبدة الفول السوداني من كرافت وكاتشب هاينز، داخل كندا، مما يمنحها الحق في استخدام تصنيفات “صنع في كندا”.
الرسالة إلى المستهلكين: دعم المنتجات المصنعة في كندا
يشدد جيمس كروسبي على ضرورة دعم المستهلكين للمنتجات المصنعة محليًا، بغض النظر عن ملكية الشركة. ويقول: “سواء كانت الشركة كندية بالكامل مثل كروسبي، أو متعددة الجنسيات مثل كرافت هاينز أو كوكاكولا، فهي لا تزال تستثمر في كندا وتوفر وظائف للكنديين. وإذا توقفنا عن شراء المنتجات المصنوعة في كندا، فقد نخسر فرص عمل محلية – وهذا هو آخر شيء نريده.”
في ظل التحولات الاقتصادية والسياسية، يبدو أن الشركات والمستهلكين في كندا يتجهون نحو تعزيز الهوية الوطنية في قطاع الأغذية. ومع استمرار هذه الموجة، قد نشهد مستقبلًا تصبح فيه عبارة “صنع في كندا” أكثر من مجرد ملصق، بل عنصرًا حاسمًا في قرارات الشراء اليومية للكنديين.
ماري جندي
المزيد
1