في أحدث مؤلفاته، يقدم مايكل زواجسترا رؤية نقدية لسياسات مجلس مدارس مقاطعة تورنتو (TDSB)، وهو أكبر مجلس مدارس في كندا، والذي بات – برأيه – الأكثر “وعيًا” أيضًا. حيث يظهر هذا الوعي بشكل واضح في التركيز المكثف على قضايا العرق والهوية الجنسية والتوجه الجنسي، مما يجعله يضع هذه العوامل فوق مفاهيم التميز والجدارة الأكاديمية.
في أحدث مؤلفاته، يقدم مايكل زواجسترا رؤية نقدية لسياسات مجلس مدارس مقاطعة تورنتو (TDSB)، وهو أكبر مجلس مدارس في كندا، والذي بات – برأيه – الأكثر “وعيًا” أيضًا. حيث يظهر هذا الوعي بشكل واضح في التركيز المكثف على قضايا العرق والهوية الجنسية والتوجه الجنسي، مما يجعله يضع هذه العوامل فوق مفاهيم التميز والجدارة الأكاديمية.
التغييرات في سياسات القبول وتأثيرها على جودة التعليم
من أبرز الأمثلة التي يطرحها زواجسترا، تغيير مجلس أمناء المدارس في تورنتو عام 2022 لمعايير القبول في المدارس المتخصصة بالفنون والرياضة. حيث تم استبدال نظام القبول القائم على الأداء بنظام قرعة عشوائية، بحجة تحقيق “المساواة” بين الطلاب. إلا أن النتيجة الفعلية، بحسب زواجسترا، كانت انخفاضًا ملحوظًا في متوسط مهارات الطلاب في هذه المدارس، إذ لم يعد بإمكان الإدارة اختيار المتقدمين وفقًا لمهاراتهم الفعلية.
إعادة تسمية المدارس: محاولة لمحو التاريخ أم تصحيح للخطأ؟
يشير الكاتب أيضًا إلى قرارات مجلس أمناء مدارس تورنتو بإعادة تسمية المدارس التي تحمل أسماء شخصيات مثل جون أ. ماكدونالد، وهنري دونداس، وإيجرتون رايرسون، بسبب ارتباطها بالتاريخ الاستعماري والعنصرية ضد السكان الأصليين. ويصف زواجسترا هذه القرارات بأنها جزء من نهج أيديولوجي يهدف إلى فرض رؤية معينة على الطلاب، بدلاً من تقديم صورة متكاملة عن التاريخ الكندي.
إنفاق الموارد على التنوع والشمول بدلًا من تحسين التعليم
من الانتقادات التي يوجهها زواجسترا لمجلس مدارس تورنتو هو توظيف عدد كبير من كبار الموظفين تحت مسميات تتعلق بالتنوع والمساواة والشمول، مثل فرق مكافحة العنصرية والقمع، ومراكز التميز للطلاب السود، وبرامج دعم السكان الأصليين. ويرى أن هذه الإنفاقات تستنزف موارد دافعي الضرائب، وكان يمكن استخدامها في مجالات أكثر أهمية، مثل تحسين الأداء الأكاديمي للطلاب.
التراجع الأكاديمي: أرقام مقلقة
بحسب نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA)، فقد شهد مستوى طلاب أونتاريو انخفاضًا يعادل تقريبًا مستويين دراسيين في الرياضيات، وأكثر من نصف مستوى دراسي في القراءة بين عامي 2003 و2022. ونظرًا لأن مجلس مدارس تورنتو يضم أكبر عدد من الطلاب في المقاطعة، فمن المرجح أن يكون قد ساهم بشكل كبير في هذا التراجع.
التركيز على الأيديولوجيا بدلًا من تحسين التعليم
في السنوات الأخيرة، بدأ يتزايد الشعور في كندا بأن هناك محاولة حثيثة لفرض أيديولوجيات مرتبطة بالجندر والهوية الجنسية على جميع جوانب المجتمع، بما في ذلك النظام التعليمي. يشعر العديد من الكنديين، سواء كانوا من الآباء أو المعلمين أو حتى الطلاب، بأن هناك سياسة ترويج مستمرة تجاه قضايا الجندر والهوية الجنسية والتي تتجاوز النقاش الأكاديمي لتصبح جزءًا أساسيًا من الثقافة المدرسية. هذه الأيديولوجيا، التي تركز بشكل كبير على التنوع الجنسي والهوية الجندرية، تُفرض على الجميع – من خلال المناهج الدراسية، والبرامج التوعوية، والأنشطة المدرسية، وحتى التدريب الإلزامي للمعلمين.
هذه السياسات، على الرغم من نواياها في تعزيز التفاهم والقبول، قد بدأت تثير قلقًا متزايدًا بين عدد من الأفراد والجماعات التي تشعر بأن هذه التوجهات تفرض على المجتمع نظرة واحدة حول الجندر والهوية الجنسية، مما يعرض القيم التقليدية لأسئلة جوهرية تتعلق بالحرية الفردية والتنوع الفكري. بالنسبة للعديد من الأشخاص، لا تتمثل المشكلة في دعم حقوق الأفراد والمساواة بين الجنسين، بل في الطريقة التي يتم بها إدخال هذه المواضيع إلى الحياة اليومية، خاصة عندما يتم فرضها على الأطفال في المدارس بشكل يُشعرهم بأن عليهم تبني هذا الفكر أو المخاطرة بعواقب اجتماعية. يُنظر إلى هذه السياسات على أنها تُحاول إعادة تعريف الهويات الجنسية وتغيير مفاهيم الثقافة التقليدية، مما يؤدي إلى حالة من الاستقطاب والقلق داخل المجتمع.
ولعل أبرز ما يثير هذا الشعور المتنامي هو تغييرات مثل تلك التي حدثت في مجلس مدارس تورنتو، حيث تم إدخال مفاهيم تتعلق بالهوية الجندرية كجزء أساسي من منهج التعليم، بما في ذلك في المدارس الابتدائية، مما يثير تساؤلات عن مدى مناسبة هذه المناهج للأطفال في مرحلة حساسة من حياتهم. العديد من الآباء يشعرون بالقلق من أن هذه المبادرات تتخطى دور المدرسة التقليدي في تعليم الطلاب المهارات الأساسية، مثل القراءة والرياضيات، لتصبح مكانًا لتشكيل وتوجيه معتقدات شخصية حول الجندر والهوية.
تتعزز هذه المخاوف من خلال القرارات التي يتخذها المسؤولون المحليون لتعميم هذه الأيديولوجيات عبر كافة أنحاء المقاطعة، بل وحتى فرضها على المعلمين في جميع المدارس. مع كل هذه التغييرات، تزداد الحيرة في أوساط الكنديين حول ما إذا كانت هذه السياسات هي انعكاس طبيعي للتطور الاجتماعي، أم أنها محاولة فرض قيم ومعتقدات معينة على المجتمع بأسره، دون أي مساحة حقيقية للتنوع في الرؤى أو الحوار المفتوح حول هذه القضايا.
قضية ريتشارد بيلكستو: مأساة كشفت المستور
يذكر زواجسترا حادثة انتحار ريتشارد بيلكستو، المدير السابق لإحدى مدارس TDSB، في يوليو 2023، بعد تعرضه لما وصفه بـ”التنمر المؤسسي” خلال جلسة تدريبية إلزامية حول التنوع والإنصاف والشمول (DEI). حيث تعرض للإذلال العلني بسبب تشكيكه في فكرة أن كندا أكثر عنصرية من الولايات المتحدة، ما أدى إلى تصويره كشخص عنصري، وهو ما انعكس عليه نفسيًا بشكل مأساوي.
في البداية، وعدت حكومة فورد بالتحقيق في الحادثة، لكن الأمور سرعان ما اتخذت منحى آخر، حيث سمح المجلس بتكليف جهة خارجية لإجراء التحقيق، مما سهل – برأي زواجسترا – إخفاء الحقائق. وعندما تم إصدار تقرير حول الحادثة، قرر المجلس إبقاءه سرًا، وهو ما يعزز الشكوك حول وجود محاولة للتستر على مسؤولية الإدارة في هذه القضية.
ما الحل؟ رؤية زواجسترا للنهوض بالتعليم
يؤكد زواجسترا أن هناك حلولًا بسيطة وفعالة يمكن أن تساعد في تحسين جودة التعليم في تورنتو، مثل:
فرض معايير سلوكية صارمة للحد من عنف الطلاب.
التركيز على تعليم القراءة من خلال الصوتيات.
تعزيز مهارات الرياضيات عبر تشجيع الطلاب على حفظ الحقائق الرياضية الأساسية.
ضمان تركيز الفصول الدراسية على المعرفة بدلاً من الأيديولوجيات.
هل حان الوقت لتغيير النهج؟
يرى زواجسترا أن طلاب ومعلمي مجلس مدارس تورنتو عانوا كثيرًا تحت إدارة تركز على “الوعي” أكثر من التعليم الفعلي. ويؤكد أنه قد آن الأوان لأعضاء مجلس الأمناء لإعادة النظر في أولوياتهم، والتركيز على تحسين التحصيل الأكاديمي بدلًا من الترويج لأيديولوجيات سياسية.
فهل سيلقى هذا النداء آذانًا صاغية؟ أم سيستمر مجلس مدارس تورنتو في نهجه الحالي، بغض النظر عن النتائج؟
ماري جندي
المزيد
1